بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 9 ديسمبر 2010

هنيئا

آفطوط تهنئ الشعب الموريتاني بمناسبة العام الهجري الجديــــد 1432

وترجوا من الله العلي القدير أن يغفر للجميع زلاته وأخطاءه في العام المنصرم

كما تلفت انتباه الجميع إلى أهمية هذا الحدث وضرورة الاستفادة منه وإعطائه مايستحق من الاهتمام والاحتفاء

التحرير

الهجرة النبوية في فكر الشيخ الغزالي

الهجرة النبوية في فكر الشيخ الغزالي





لقد تمتع الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- بثقافة موسوعية أنتجت لنا العديد من الكتب في شتى نواحي الفكر والمعرفة؛ فنجد له تراثًا في العقيدة والتفسير، والأخلاق والتصوف، والفكر والفلسفة، والأدب والدعوة، والإصلاح والتغيير، وغيرها.

ومن أبرز المجالات التي أبدع فيها الشيخ الغزالي مجال السيرة النبوية التي له فيها صولات وجولات مع الأحداث، وتعليقات على كثير من المواقف والغزوات، يشعر القارئ معها بفكر جديد وفهم فريد لأحداث ووقائع السيرة العطرة.

ومن القضايا المهمة التي تحدث عنها الشيخ في السيرة في غير موضع من كتبه قضية الهجرة النبوية التي تمر علينا ذكراها في هذه الأيام، وقد تمركزت أفكار الشيخ حولها فيما يلي:

أولا: حدث كبير في أكثر من صورة

وهذه واحدة من مناقب الشيخ في فهمه للهجرة النبوية؛ ذلك أننا أَلِفْنا أن يتنزل القرآن تعليقًا على ما يكون من أحداث؛ فيوجه المسلمين التوجيه الذي يفتقرون إليه؛ فإن كان نصرًا بيّن أسبابه وكسر الغرور الذي قد يصاحب المنتصرين، وإن كانت هزيمة بيّن أسبابها ومسح التراب الذي عفر جباه المنهزمين.

لقد نزلت سورة الأنفال في أعقاب غزوة بدر، ونزلت سورة الأحزاب في أعقاب الخندق، ونزل النصف الأخير من سورة آل عمران في أعقاب أحد.. فهل نزلت في أعقاب الهجرة سورة لا سيما بعد نجاح رحلتها كما حدث في أعقاب الغزوات؟

ويجيب الشيخ على هذا التساؤل قائلا: "لم يقع هذا، ولكن وقع ما هو أخطر وأهم، كأن الله -سبحانه وتعالى- حكم بأن قصة الهجرة أكبر من أن تعلق عليها سورة واحدة، وأن تمر مناسبتها بهذا التعقيب وينتهي الأمر؛ فحكم -جل شأنه- بأن تكون ذكرى الهجرة قصة تؤخذ العبرة منها على امتداد الأيام، وتُذكر في أمور كثيرة وفي مناسبات مختلفة"(1).

ومن ناحية أخرى يرى الشيخ أنها لم تُذكر في سورة واحدة مثل المعارك؛ لأن "هذه المعارك استغرقت أيامًا قليلة، أما الهجرة فشأن آخر.. لقد ظلت أفواج المهاجرين متصلة سنين عددًا، وتطلَّب التعليق عليها مواضع عديدة"(2).

ومن ثم ذُكرت الهجرة في سور: البقرة(3) وآل عمران(4) والنساء(5) والأنفال(6) والتوبة والنحل(8) والحج(9) والممتحنة(10) والتغابن(11) والحشر(12)... وكان التعليق في كل سورة إبرازًا لمعنًى مقصود(13).

ثانيًا: وزن الإيمان في الهجرة

والإيمان في فكر الشيخ له وزن لا يستهان به عموما، وفي الهجرة خصوصا؛ فليست الهجرة انتقال موظف من بلد قريب إلى بلد ناءٍ، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة، إنها إكراه رجل آمِنٍ في سربه، ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه وتضحيته بأمواله والنجاة بشخصه، وإشعاره بأنه مستباح منهوب قد يُسلَب أو يَهلك في بداية الطريق أو نهايتها، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان، ولو كان الأمر مغامرة شخص بنفسه لقيل: مغامر طياش؛ فكيف وهو ينطلق في طول البلاد وعرضها حاملاً أهله وولده؟! وكيف وهو بذلك رضيُّ الضمير وضاء الوجه(14).

ما السر وراء تحمله ذلك كله؟ وليس الأمر تحملا وحسب، إنما تحمُّلٌ يصاحبه فرحة وسرور، وصبر يحوطه رضًى وحبور، إنه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش، هذه الصعاب لا يطيقها إلا مؤمن تربى على تعاليم النبوة، وقبَس من أنوار الوحي، وتضلَّع من هدْي الإسلام.

أما الهياب الخوَّار القَلِق فما يستطيع أن يفارق أهله ووطنه، فضلا عن أن يكون بذلك مطمئن النفس رضيَّ الضمير.

ثالثًا: إيمان بالمستقبل وثقة بالغيب

هكذا يعبر الشيخ "إيمان بالمستقبل وثقة بالغيب"، وكان المنتظر أن يقول "إيمان بالغيب وثقة بالمستقبل"، لكنه عبر مع المستقبل بالإيمان ليرفع الثقة بالمستقبل إلى درجة العقيدة والإيمان بالغيب.

فلن تكتمل حقيقة الدين في قلب إلا إذا كان الإيمان فيه بالغيب قسيم الإيمان بالحاضر، ولا يصح تدين ما إلا إذا كان الإنسان مشدود الأواصر إلى ما عند الله، مثلما يتعلق بما يرى ويسمع في هذه الدنيا؛ فالمجاهد مثلا يقاتل من أجل النصر للعقيدة أو الشهادة لنفسه، لكن النصر عنده غيب، خصوصًا إذا وهنت الوسيلة، وقل العون، وترادفت العوائق، بيد أن هذا النصر ينبع من الإيمان بالله؛ فهو يمضي في طريقه المر واثقًا من النتيجة الأخيرة. إن غيره يستبعدها أو يرتاب فيها، أما هو فعقيدته أن اختلاف الليل والنهار يقربه منها وإن طال المدى؛ لأن الله حقَّ على نفسه عون الموحدين ونصر المؤمنين.. فلماذا الخوف من وعثاء الطريق وضراوة الخصوم؟ ولِمَ الشك في وعد الله القريب أو البعيد؟!

إن المهاجرين الأوائل لم ينقصهم إيمان بمستقبل أو ثقة بغيب، إنما نهضوا بحقوق الدين الذي اعتنقوه، وثبتوا على صراطه المستقيم، على الرغم من تعدد العقبات وكثرة الفتن، من أجل ذلك هاجروا لمَّا اقتضاهم الأمر أن يهاجروا، وبذلوا النفس والنفيس في سبيل عقيدتهم.

ومع أن الله تعالى وعد المؤمنين أن رسالتهم ستستقر، وأن رايتهم ستعلو، وأن الكفر لا محالة زاهق، إلا أنه علق أفئدتهم بالمستقبل البعيد وهو الدار الآخرة: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (الزخرف 41- 44). ومن هنا لا يعتري النفسَ مللٌ، ولا الجسم كلل؛ لأن أشواقه ممتدة إلى المستقبل البعيد، وآماله قد طارت لتحط في أفراح الآخرة عند رب العالمين.

فليس شرطًا أن يرى المرء ثمرة جهاده والتمكين لدينه وهو حي، بل ربما يطويه الموت، ولم يعرف بعدُ نتيجة الصراع بين الهدى والضلال، وهذا كثير الوقوع، لكن وعد الله لا يتخلف: "فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون"؛ فيكون هذا المرء جسرًا تعبر عليه الأفكار والمبادئ إلى جيل يرى نصرتها والتمكين لها.

والخطة المثلى أن يؤدي المرء واجبه المجرد دون استعجال لنتائج المعركة المحتدمة بين الحق والباطل؛ لأن الله قد تولاها بذاته العلية.

في إطار هذا الإيمان العميق لبى المسلمون نداء الهجرة عندما طولبوا بها، واستجابوا لنداء الله ورسوله غير خائفين ولا جازعين(15).

رابعًا: فكرة لا رحلة

فالهجرة في فكر الشيخ ليست رحلة ولا عملاً ترفيهيًّا، ولم تكرَّم الهجرة لكونها سفرًا فحسب؛ فما أكثر المسافرين قديمًا وحديثًا بين مكة والمدينة.

إن الشيء الواحد قد يكون عملاً مضنيًا أو لعبًا مريحًا مسليًا، فالمظهر والشكل لا يتغير، لكن الذي يتغير هو البواعث والجوهر والملابسات.

فصيد السمك رياضة مرحة يلهو بها بعض المترفين الناعمين، بينما هو عند أناس آخرين حرفة يرتزقون منها مع الكدح والمكابدة، والرحلة من قطر إلى قطر قد تكون للتنعم والاسترواح، وقد تكون مشيًا في مناكب الأرض لتحصيل علم، أو جمع رزق، أو فرارًا من شر محظور إلى خير منظور.

وهكذا كانت الهجرة.. خطواتٌ يتحرك بها القلب المؤمن في الحياة؛ فتتحرك في ركابها الثقة الغالية والتضحية النبيلة، إنها طريق الأبطال تزدحم بالفدائيين من حملة العقائد، يتركون البلد الذي اضطُهد دينهم فيه ليلتمسوا في مهجرهم مأمنًا لعقيدتهم ومتنفسًا لدينهم، ويقيموا فيه مجتمعا يحتضن الشعائر والشرائع.

وفي الهجرة نفسها خرج رجل إلى المدينة من أجل عشيقة يهواها، وشتان بين المهاجرين لعقيدتهم ودينهم وبين من يخطو خطوات الشهوة الصغيرة، تتحرك بصاحبها؛ فلا تفرق بينها وبين خطوات الدابة التي حملته، ورب قاعد في بلده أشرف نفسًا من هذا المهاجر التافه(16).

خامسًا: إقامة مجتمع آمن



والهجرة في فكر الشيخ الغزالي ليست تخلصًا من فتنة أو فرارًا من أذًى، وإلا لم يكن هنالك مبرر للمكث ثلاثة عشر عامًا في هذا الجو الملبد بسحب الكفر والاضطهاد، إن الذي يبرر هذه المدة هو تمهيد المؤمنين بقيادة النبي -صلى الله عليه وسلم- لإقامة مجتمع جديد في بلد آمن ذهب إليه مصعب بن عمير ليستتبع الناس ويستقطبهم للإسلام؛ ذلك أن إقامة الدين في مجتمع مكة أضحى دونه خرط القتاد؛ لما اتصف به من عناد وجبروت، فلم يكُ يصلح لهذا الفكر، والدعوة ما زالت وليدة غضة طرية، والمسلمون قلة مستضعفة، فلم يكن هنالك بدٌّ من التهيئة للدين في مكان آمن، عندئذ يقوى المسلمون وتشب الدعوة.

ويعلق الشيخ قائلا: "ولا شك أن نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة هو أخطر كسب حصل عليه منذ بدأت الدعوة، وأصبح فرضًا على كل مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد، وأن يبذل جهده في تحصينه ورفع شأنه، وأصبح ترك المدينة -بعد الهجرة إليها- نكوصًا عن تكاليف الحق، وعن نصرة الله ورسوله؛ فالحياة بها دين؛ لأن قيام الدين يعتمد على إعزازها"(17).

سادسًا: الهجرة تطبيق لقانون السببية

الأخذ بالأسباب في فكر الشيخ الغزالي دين، وهو معنًى يكرره الشيخ كثيرًا كلما عرض للحديث عن الهجرة أو للكلام عن تخلف المسلمين وتقدم غيرهم(18)، لم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم-: إننا أوذينا وأُخرِجنا من ديارنا؛ فعناية الله ينبغي أن تلاحقنا، وحماية الله يجب أن تحوطنا، ولا حرج في بعض التقصير فإن الله سيجبر الكسر ويسد النقص... إلى آخر هذا الكلام، لم يقل النبي هذا، إنما استنفد كل وسيلة بشرية يمكن أن تؤخذ، فلم يترك ثغرة، ولا أبقى في خطته مكانًا يكمله الذكاء والفطنة.

ومع أن محمد بن عبد الله -عليه السلام- أولى الناس بتوفيق الله ورعايته، وأجدر الخلق بنصره وعنايته؛ فإن ذلك لا يغني عن إتقان التخطيط وإحكام الوسائل وسد الثغرات شيئًا مذكورًا.

ومن هنا جعل -صلى الله عليه وسلم- يفكر في الاختباء في الغار وفي تضليل أعدائه؛ فكان يتجه جنوبًا وهو يريد أن يتجه إلى الشمال، وأخذ راحلتين قويتين مستريحتين حتى تقويا على وعثاء السفر وطول الطريق. وهذا دليل مدرَّب ليعرف ما هنالك من وجوه الطرق والأماكن التي يمكن السير فيها بعيدًا عن أعين الأعداء، وهذا علي بن أبي طالب ينام مكانه ليضلل الكافرين، وذلك يسير بالأغنام وراءهما يمحو آثار المسير، ولكي يكون على دراية تامة باتجاهات العدو ونواياه تأتيه الأخبار عن طريق راعي أبي بكر، كما أتت بعض الأغذية عن طريق بنت أبي بكر... هل بقي من الأسباب شيء لم يؤخذ، أو من الوسائل لم يستنفد، أو من الثغرات لم يُسد؟ كلا كلا..

إن منطق الإسلام هو احترام قانون السببية؛ لأن الله تعالى لا ينصر المفرطين ولو كانوا مؤمنين، بل ينتقم من المقصرين المفرطين كما ينتقم من الظالمين المعتدين، "وإذا تكاسلت عن أداء ما عليك وأنت قادر، فكيف ترجو من الله أن يساعدك وأنت لم تساعد نفسك"(19). كيف ينتظر المرء من الله أن يقدم له كل شيء وهو لم يقدم له شيئًا؟!

وليس معنى الأخذ بالأسباب الاعتماد عليها، بل الطريقة المثلى في التصور الإسلامي أن يقوم المسلم بالأسباب كأنها كل شيء في النجاح، ثم يتوكل على الله كأنه لم يقدم لنفسه سببًا، ولا أحكم خطة، ولا سد ثغرة.

وهذا هو الفرق بين موقف المؤمن والكافر من الأخذ بالأسباب؛ فالمؤمن يأخذ بالأسباب ولا يعتمد عليها ولا يعتقد أنها هي التي تفعل أو تترك، بل يؤمن أن الأمور بيد الله، وأن النتائج تتم بقدرة الله، وأن شيئًا لا قيام له إلا بالله.

بينما يعتقد الكافر -إن جاز أن تكون له عقيدة- أن الأسباب هي الفاعلة والمعوَّل عليها، ولا علاقة لها بالتوفيق الأعلى.

إذن فالإسلام يحترم قانون الأخذ بالأسباب، غير أن المسلمين لم يكونوا على مستوى دينهم مع هذا القانون، يقول الشيخ في ذلك متحسرًا: "ومع حرص الإسلام على قانون السببية، وتنفيذ النبي -صلى الله عليه وسلم- له بدقة؛ فأنا لا أعرف أمة استهانت بقانون السببية وخرجت عليه وعبثت بمقدماته ونتائجه كالأمة الإسلامية

وصفي عاشور أبو زيد

الاثنين، 29 نوفمبر 2010

مع الإستقلال .....ضد الإحتفال/ذ/ابراهيم / جبريل
أيام قليلة و تعلن التلفزة و الإذاعة عن تخليد بلادنا لذكرى الاستقلال الوطني، عندها سيتوجه رئيس الجمهورية إلى الشعب بخطاب تاريخي ربما سيتوجب علينا بعد ذلك صرفُ أكثر من شهرين لفهم مضامينه و كشف خفاياه،

سيظهر كالمعتاد تقي الله الأدهم على شاشة التلفزة الوطنية صحبة فيلق من ضباط محاربة الأمية أثناء حرب ولد الطائع الخاسرة، نفس الوجوه التي تصدرت حملة المعرفة للجميع و قادت انتفاضة الكتاب، نفس الوجوه التي ظلت تتقدم الجموع أثناء جولات ولد الطائع المشئومة.. نفس الوجوه، و ربما لا قدر الله هي نفس الوجوه التي سيستضيف تقي الله لتخليد ذكرى الإستقلال لعام 2020، و التي هي الأخرى ستكون استثنائية لوجود العشرين مرتين!!

عبارات تخليد الإستقلال و أفكار المدرسة الرمضانية و مبررات الإنقلاب و حجج زعيم المعارضة: 400 جيغا بايت من لغو الكلام تم تحميلها حتى في رؤوس أكباش الأضحية..

سيقولون بأنهم بدأوا إنشاء دولة من الصفر حيث لا قصر و لا عاصمة و لا سيارات فارهة ولا شوارع و لا شوكولاتة ولا هامبرغر..

سيقولون بأن المرحوم المختار ولد داداه كان حسن السمت، طيب المنبت، و إنه و إنهم مجتهدون إذا أصابوا فلهم أجران أو ثلاث و إذا أخطأوا فلا أقل من أجرين، أجر عند ربهم و أجر عند فرنسا!!

سيتحدث رئيس الجمهورية بالمناسبة العظيمة عن المشاريع العملاقة و سيغتنم الفرصة لتوجيه رسائل متعددة و متعجرفة لخصومه السياسيين، لن يرحمهم في صغيرة و لا كبيرة لأن ثأره عندهم سيبدو أكبر من ثأرنا عند الفرنسيين، لن يمنحهم فرصة للتقرب منه لأن موريتانيا في غنى عن خدماتهم عكس الفرنسيين، لن يكونوا شركاء في التنمية لأن الشراكة تم تخطيطها ووزعت على الفرنسيين..

ستُعد التلفزة تقريرا عجيبا عن مسيرة موريتانيا، لن تنتقد فيه فرنسا كثيرا و لا حتى قليلا!!، ستتوقف فيه طويلا - بلا مبرر- عند مظاهر البداوة و التأخر و لسان حالها "منها خلقناكم وفيها نعيدكم"، سيمر التقرير العجيب بفترة ولد الطائع كما لو أنها لحظتان و سيتوقف عند فترة عزيز كما لو أنها قرنان، سيحيد ولد الشيخ عبدالله كما لو كان رئيسا لأفغانستان.. وسيخلص إلى أنه ليس بالإمكان أحسن من ماكان..

سيتحدث ولد وأشدو و ابراهيم ولد عبدالله باسم "المثقفين"، و ربما سيعرج على باباه سيد عبدالله و إزيد بيه ليلقيا كلمة للعياطين..

ستزعجنا شنقيتل بمساجات التهنئة و ستعلن موريتل عن زيادة مائة بالمائة..

و غدا في التاسع و العشرين الموالي سنذهب للمكاتب و نبدأ في المكائد، و نستأنف العمل بشكل رهيب على طمس هوية هذا الوطن ونهب خيراته بتقنيات خجل المستعمر من استخدامها!

...

نصف قرن من الاستقلال مر بنا و لا تزال فرنسا تتحكم في كل شاردة و واردة في حياتنا اليومية، نصف قرن!

نصف قرن مر بنا و فرنسا تتدخل في الملابس الداخلية لقياداتنا العسكرية، ماذا يعني نصف قرن؟

صحيح أن أعمار الشعوب لا تقاس كما تقاس أعمار الأفراد و نصف قرن لا يعني أكثر من بضع أجيال، إلا أنه حقيقة يجب الإنتباه إلى أن العالم في هذه الخمسين سارع من وتيرة النمو بحيث قطع في خمسين سنة مسافة القرون، لذا فإن يوما واحدا يضيع من عمر أمة من هذا الخمسين سيخلفها مائة لفة في سباق محموم و محتوم!

بصراحة، يجب على ضيوف التلفزة أو ساكنيها – على الأصح - أن يعلموا أن العد الطبيعي يبدأ بالصفر و أن الحالة الموريتانية لم تكن تتميز عن نظرائها في الستينات إلا بالطيبوبة و الليونة و الإستعداد للمساهمة في النهوض و التنمية..

و أنهم و غيرهم يتحملون جزء كبيرا مما نحن فيه من ضعف و ترهل..

و أن مفهوم الدولة ما يزال غائبا أو تحت الصفر في أذهانهم قبلنا،

يجب عليهم أن يعلموا أن إنشاء الدولة لا يبدأ بشق الطرق و تشييد القصور و لا يتوقف عند النية و الإجتهاد..

يجب علينا و عليهم أن نفهم أن الاستقلال ليس علما يرفرف و نشيدا يعزف على أرض تَنزف و تُستنزف..

أبدا لن نجد طعما للاستقلال ما لم نقتنع بقدراتنا الذاتية و نتحرك على قدمينا بدون عُكازات فرنسية، و نؤمن بأنه يمكن لموريتانيا أن تتنفس الأكسجين دون إشارة من باريس..

مشكلتنا أننا لحد الآن لسنا قادرين حتى على تحديد طريقة تخليد ذكرى الإستقلال، لسنا قادرين حتى على إختيار السنة التي نريد تمييزها بالإحتفال..

أدرك جيدا حجم النفوذ الفرنسي في شبه المنطقة و أعي كذلك مدى الإدمان الغريب لبعض كوادرنا لكل ما هو فرنسي، و أعتقد أنه بعد الحرب الإستباقية بدأت تتكشف للجميع السيطرة الفرنسية على معظم ألوان الطيف السياسي في البلد، غير أني كنت و لا أزال أؤمن أكثر بوجود أبناء بررة غيورين على سمعة و مصلحة هذا الوطن، و مستعدين لدفع ثمن العصيان الفرنسي و الإبتعاد عن تبعية جاك و ميشل..

إذا كنا نريد الحرية فلنتحرر من فرنسا أولا.. و إذا كنا نريد الاستقلال فلنبتعد عن المستعمرين..

كم هو من المخجل أن تتعثر بالحجر نفسه مرتين

بماذا يحتفلون؟! /بقلم: أحمد ولد إسلم

بماذا يحتفلون؟!

أود أن يخبرني أحدكم بماذا يحتفل هؤلاء؟.. لماذا تنفق هذه الحكومة ملايين من أموالنا في استعراضات ميتة لأفراد من القوات المسلحة بالجوع والخوف على مصير ابنائها واليأس مما توعد به؟



ولماذا يسمونها احتفالية خميسنية الاستقلال إذا كان من قدمه التلفزيون على أنه رئيس الجمهورية يبدأ التاريخ عنده قبل أقل من عامين؟ ولا أشك هنا في استحقاقه هذا اللقب، بل في وجود ما هو رئيس له؟



لماذا تتنافس الدوائر الرسمية في هدر أموالنا في الأغاني والافلام واستحضار صور ارشيفية لا تعني لها أكثر من مبرر للصرف؟





لا أسأل عن احتفال المواطنين بهذه الفرية، ليقيني أن أكثر من نصفهم لا يعرف تاريخها، ولهم في ذلك عذر مقبول، فلماذ يحتلفون بمرور خمسين سنة وهم لما يروا أثرا لها في حياتهم؟!



فأبناءهم يغادرون اكواخهم كل غداة إلى قاعة مغبرة يفترشون ترابها ويكابد معلم أنهكه البحث عن بديل لوقفته هذه، ليفهمهم مادة ما مرت عليه يوم كان مكانهم، وإن صرفوا أعمارهم يتجاوزن مستوى إلى آخر ستقذف بهم الحياة غدا إلى نار النقطة الساخنة او قوارب الموت؟



ومن يلومهم إن لم يحتفلوا وهم يعرفون أن لو سقط أحدهم مغشيا عليه في زحمة المسيرة لن يجد سيارة إسعاف، وان جاء إلى المستشفى تكتب له وصفة طبية لشراء القطن الذي سيجبر به جرحه؟



ولماذا يحتفلون وهم يرون الوجوه المحنطة التي أعلمتهم بقيام الدولة ثم بالانقلاب الأول واقنعتهم بالهياكل، وبالكتاب والحملة الزراعية والمصالحة الوطنية ورئيس الفقراء هي ذاتها، لا تتغير؟



ما ذا يعني الثامن والعشرون من نوفمبر لطالب أنفق عليه الشعب مئات الآلاف ثم عاد ليساله أمعة عن قبيلته؟



ماذا يعني لشيخ يمضي وجه نهاره في نبش أرض قاحلة ليقنع نفسه وأبناءه أن لديه أملا وعليهم انتظاره؟



ما قيمة الاستقلال إن كان القرار الوطني لم يكن يوما بيد من يتولى أمور الدولة، فهذا جاءت به فرنسا وهذا انقلبت عليه الجزائر وهذا أتت به المغرب، وآخر يخوض حربا نيابة عن الغرب؟



ما قيمة أن نسمي هذا الكيان جمهورية وأعلى هيئاته يتحكم فيها مزاج ميكانيكي تقول سيرته الذاتيه أنه لم يتجاوز الثانوية؟



لماذا نظلم هذا الشعب ونلح عليه بضرورة الإيمان بالدولة ولم نوجد له مقوماتها؟



عن أي استقلال يتحدث هؤلاء إذا كان من شاء يحصل على محاضر في طبعتها الأولى للتحقيق مع أكثر السجناء خطورة، لأنه دفع لشرطي أفقر منه ما يبتاع به غداء أطفاله؟



اي جمهورية يحتفلون باستقلالها وهي التي تتداخل كل سلطاتها؛ فالبرلمان يعينه شيخ القبيلة الذي يساند الرئيس، والقضاة يعينهم رئيس المجلس الأعلى للقضاء وهو الرئيس، والحكومة تنفذ برنامج الرئيس، والرئيس ينتظر مكالمة من رئيس آخر؟



عبثا تحاولون اقناع هؤلاء بوجود جمهورية، لأن خمسين عاما من الكذب واختزال الذاكرة كانت كافية لكشف حقيقتكم.



لكن عيشوا ما تبقى لكم من ايامكم - ولن يكون قليلا - فهؤلاء سيورثون أبناءهم نظرتهم إليكم، ولعمري إنها لنظرة ملؤها الاحتقار والاستغناء، فهم عاشوا كما عاش آباؤهم، تتقاذهم امواج الحياة يرتحلون إن أجدبت الأرض.. وهي اليوم جدباء؟



فانعم ايها الرئيس وحكومتك بالاستقلال، أنتم وحدكم المستقلون، المستقلون من سيطرة ضمائركم لأنها لو وجدت كنتم استحييم من وجودكم على وجه الأرض.. وكل عام وأنتم هناك مستقلون

.

Ahmed3112@hotmail.com



الأحد، 28 نوفمبر 2010

تهنئـة


آفطوط تهنئ الشعب الموريتاني بمرور خمسين سنة على انتهاء المرحلة الأولى من الاحتلال وترجو من المولى عز وجل أن يوفق الشعب الموريتاني ويعينه على تجاوز المرحلة الثانية والأصعب من مراحل هذا الاحتلال الغاشم الذي لا يقيم وزنا لهذا الشعب الأبي وهويته الحضارية، ولا يرغب في خير لهذه الربوع، وتهيب بالشعب الموريتاني بكافة أعراقه وقبائله إلى أن يفضح عملاء وكوميات وكل " أبناء المقداد" ومختلف "دووات سكات " ويلعن على الذين يبيعونه في المزاد بمناسبة وبدون مناسبة

                                                                                             التحريـــــــــــــر


السبت، 20 نوفمبر 2010

تهنئة من أعماق القلب

الله أكبر , الله أكبر , الله أكبر , لا إله الا الله , والله أكبر , الله أكبر , ولله الحمد

كل عام والجميع بخير وينعاد عليكم بكل خير يارب

كل عام وشهر وساعة ولحظة وأنتم بكل خير وسرور وعافية وسلامة وأمن وإيمان

الأربعاء، 30 يونيو 2010

تعريب العلوم الطبية في الوطن العربي

تعريب العلوم الطبية في الوطن العربي


تنص دساتير الدول العربية على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية، ومعنى ذلك أن لغة التدريس – في جميع مراحل التعليم – يجب أن تكون العربية.

وبخصوص ما يُثار من تشكيك حول مدى قدرة اللغة العربية على أن تكون وسيلةً لتدريس مختلف العلوم، نشير إلى أن علم اللغة الحديث يرى أن جميع اللغات قادرة على مسايرة التقدم الحضاري، لا فرق بين لغة وأخرى، وإنما الفرق في الوسائل المستخدمة لتحقيق ذلك. وعليه، فإن العيب ليس في اللغة، وإنما العيب في الناطقين باللغة عندما يعجزون أو يتقاعسون عن تنميتها وتطويرها.

ومن حسن حظنا أن لغتنا العربية لغة حيّة، تجمع بين الأصالة والمعاصَرة، فقد حملت مشعل الحضارة الإنسانية دون انقطاع، واليوم هي سادس لغة رسمية لمنظمة الأمم المتحدة، إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية.

ويُنْسَبُ إلى أحد مؤسسي علم اللغة الحديث، وهو إدوار سابير (Edward Sapir) أنه قال: " إن اللغات الخمس التي كان لها دور رئيس في حمل الحضارة الإنسانية هي: الصينية القديمة، والسنسكريتية، والعربية، واليونانية، واللاتينية".

هذه شهادة من مفكر غير عربي يسجّل حقائق التاريخ بحياد وموضوعية. ونحن نرى أن اللغة العربية قادرة على الاستمرار في تأدية هذا الدور. ولا أَدَلَّ على ذلك من أنها – من بين اللغات المشار إليها- هي اللغة الوحيدة التي ما زالت تؤدي دورها في الحضارة الإنسانية إلى يومنا هذا.

وقد تناقلت وسائل الإعلام، في الآونة الأخيرة، تصريحاً لوزير الدولة البريطاني كريس براينت اعتبر فيه أن اللغة العربية في الوقت الراهن أهم من اللغة الفرنسية. ولا شك أنَّ هناك اهتماماً دولياً متزايداً باللغة العربية، وأهلُها لا يهتمون!

وبما أننا بصدد الحديث عن تدريس الطب باللغة العربية، نريد أن نشير إلى أن العلوم الطبية تمثل شريحة واسعة من العلوم، ومن ثم فإن تعريب علوم الطب يعتبر مدخلاً لتعريب العلوم الأخرى.

وقبل تسجيل بعض الملاحظات والاقتراحات الخاصة بالموضوع، نشير إلى أننا لاحظنا أن إحلال اللغة الأجنبية محل اللغة العربية، لم يكن لأسباب موضوعية، وإنما فرضته سياسة الاستعمار عند ما كانت الأقطار العربية ترزح تحت نيره، ولعل المستعمر كان يخطط بذلك لفترة من الاستعمار الثقافي تعقب فترة الاحتلال العسكري، وهذا ما حدث بالفعل. ففي مصر، بدأ تدريس الطب باللغة العربية مع تأسيس مدرسة الطب في أبي زعبل عام 1827، وقد انتقلت هذه المدرسة إلى القصر العيني عام 1837، وظلت تدرّس بالعربية. وبعد أن احتل الإنجليز مصر عام 1882، فرضوا تدريس الطب بالإنجليزية عام 1887، بحجة عدم وجود المراجع العربية الكافية. وفي لبنان، افتتحت في بيروت عام 1866 الكلية السورية الإنجيلية، التي أصبحت فيما بعد الجامعة الأمريكية، وظل الطب يعلم فيها بالعربية، قبل أن يُحوَّل التعليم فيها إلى الإنجليزية عام 1884، بحجة عدم وجود عدد كاف من الأساتذة المتمكنين من تعليم علوم الطب باللغة العربية. والدليل على أن هذه الحجج واهية، هو أننا -في الحالة السورية- نجد أن المحتلين الفرنسيين أرادوا أن يكون التدريس باللغة الفرنسية، لكن الأساتذة السوريين أصرّوا على أن يكون التدريس باللغة العربية، وكان لهم ما أرادوا واستمر التعريب بنجاح في سورية منذ عام 1919م ، حتى يومنا هذا.

وفي هذا الإطار، نشير إلى صدور قرار في مصر سنة 1938م، بتعريب الطب، جرى تأجيله لمدة عشر سنوات لتهيئة الوسائل المادية والبشرية اللازمة لتنفيذه. وما زال هذا التأجيل –مع الأسف- ساريَ المفعول. كما صدر في العراق قرار سنة 1979 يوجب تعريب الطب، وأُلِّفت لجان لتأليف أو ترجمة الكتب الطبية المقررة.. وتم تأجيل تنفيذ القرار، ولم نجد للتعريب أثراً إلا في حالات قليلة، مثل: الطب الشرعي والصحة النفسية، وكذلك الحال في كلية طب صنعاء باليمن التي قررت تدريس الطب الشرعي والسموم وطب المجتمع باللغة العربية، ونفس الوضع في كلية الطب في الأزهر بمصر، وفي الجامعة الأردنية. وفي تونس، قام أ.د. أحمد ذياب بتدريس علم التشريح في كلية طب سفاقس باللغة العربية لمدة ثلاث سنوات (1985-1988) لكنه واجه ضغوطاً من إدارة الجامعة اضطرته إلى ترك التعليم. وقد ألف معجماً طبّياً.

وفي ليبيا توجد بعض الكليات تُدَرَّس فيها المواد باللغة العربية، مثل: كلية طب سبها، وكلية الطب بجامعة التحدي بسرْت. وفي السودان، نجد تجربة ناجحة بدأت بتدريس مواد التشريح ووظائف الأعضاء والكيمياء الحيوية باللغة العربية في كلّيتي الطب بجامعتي الشرق ووادي النيل، بالاتفاق مع جامعة أم درمان الإسلامية. وبعد اتخاذ قرار سياسي سنة 1990 بتعريب التعليم العالي، فإن السودان مُرَشَّح للالتحاق قريباً بسورية التي يتم فيها التعليم باللغة العربية، في جميع المستويات، منذ سنة: 1919، كما أسلفنا.

ونستسمح القارئ الكريم، إذا لاحظ في هذه المعلومات شيئاً من عدم الدقة لأننا لم نرجع فيها إلى دراسات وإحصاءات رسمية حديثة، وإنما أخذناها ممّا يروج من معلومات بين المشاركين في المؤتمرات والندوات التي ينظمها مكتب تنسيق التعريب. وقد أردنا من خلالها إعطاء فكرة عامة عن واقع تعريب الطب في الأقطار العربية، والأسباب التاريخية التي أدّت إلى هذا الواقع المرّ.

وفي إطار حديثنا عن تجارب التعريب، الناجحة والمتعثِّرة وعن القرارات والتوصيات المتعلقة بالموضوع، نشير إلى أن المؤتمر الطبي العربي الرابع والعشرين الذي عُقد بالقاهرة عام 1988م أصدر قرارا بتعريب التعليم الطبي، ولم ينفذ القرار، حتى الآن.

ودأبت مؤتمرات التعريب، التي تعقدها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وجهازُها المتخصص مكتب تنسيق التعريب، على إصدار توصيات بهذا الشأن، ولم نجد صدى يذكر لهذه التوصيات، مع أن هذه المؤتمرات تُعقَد على مُستوى وزاريّ ويشارك فيها وزراء التربية والتعليم في الوطن العربي أو من ينوب عنهم. كما يشارك فيها رؤساء مجامع اللغة العربية وممثلون عن الجامعات والمؤسسات العربية المتخصصة، المعنية والمهتمة.

وقد عُقِد المؤتمر الأول بالرباط سنة 1961، وعُقِد المؤتمر الحادي عشر (الأخير) بعمّان (الأردن) سنة 2008م.

ولا نريد الاسترسال في الحديث عن جميع تجارب الدول العربية المتعلقة بتعريب الطب، حتى لا يطول بنا الحديث ونتجاوز الحيز المعقول المخصص للموضوع. ولذلك، فإننا نكتفي بهذه النماذج التي تنمّ عن رغبة صادقة في تعريب الطب لدى بعض الأفراد والمؤسسات، ولكن الخطوات بطيئة ولا تتناسب مع الخطوات التي قطعتها شعوب أخرى في سبيل المحافظة على هويتها وتراثها ومقومات وجودها.

والآن، دعونا نتحدث قليلاً عن مُسْتَلْزَمَات تعريب الطب، وسنكتشف أن هذه المستلزمات موجودة، ومن ثم فإن تعريب التعليم الجامعي، وفي طليعته الطب والصيدلة، لا يحتاج إلاّ إلى قرار سياسي بتفعيل الدساتير والقوانين العربية، بشرط أن يكون هذا القرار مشفوعاً بإرادة صادقة نابعة من قناعة الأستاذ الجامعي بتدريس مادته باللغة العربية.

يحتاج تعريب الطب إلى مُسْتَلْزَمَات، من أهمها:

المصطلح، والكتاب، والمرجع، والأستاذ، والطالب. وبغض النظر عن ترتيب هذه المستلزمات حسب أهميتها، فإننا نرى أنها تُشَكِّل مجتمعةً أرضية لا بدّ من تهيئتها للانطلاق في عملية التعريب.

1- المصطلح: يوجد رصيد مهم من المصطلحات، في معاجم طبية صادرة بثلاث لغات (الإنجليزية والفرنسية والعربية)، علماً بأن كليات الطب في الأقطار العربية التي تُدرِّس باللغة الأجنبية، تدرّس بالإنجليزية أو الفرنسية، باستثناء الصومال التي تدرس الطب باللغة الايطالية، حسب ما لدينا من معلومات.

نذكر من هذه المعاجم:

- المعجم الطبي الموحَّد، من انجاز اتحاد الأطباء العرب، تحت إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومجلس وزراء الصحة العرب، ورعاية منظمة الصحة العالمية.

- معجم الجامعة السورية.

- المعاجم الموحَّدة، الصادرة عن مكتب تنسيق التعريب-(الصحة وجسم الإنسان-الصيدلة-الطب البيطري –علم التشريح).

- مجموعة المصطلحات، الصادرة عن مجامع اللغة العربية، وبصفة خاصة تلك الصادرة عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

- المصطلحات، الصادرة عن الهيئة العليا للتعريب بالسودان.

- الجهود المصطلحية الفردية، على سبيل المثال: المعجم الطبي الذي أعده أ.د. أحمد ذياب الذي أشرنا إلى تجربته في تدريس علم التشريح باللغة العربية.

2- الكتاب:

- توجد الكتب والمناهج المقررة بكليات الطب في سورية، يمكن الانطلاق منها والبناء عليها.

- ينبغي الاطلاع على الكتب الأجنبية التي أشرف على ترجمتها المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر بدمشق، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

- الكتب التي أشرف على إعدادها وترجمتها مجمع اللغة العربية الأردني.

- إنجازات المركز العربي للوثائق والمطبوعات الصحية بالكويت، الذي أشرف على ترجمة بعض الكتب الدراسية الطبية، وإصدار عدد من القواميس الطبية التخصصية.

- جهود بعض الجهات العربية المهتمة بالتعريب، مثل: معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بالرباط، والهيئة العليا للتعريب بالسودان، والجمعية المصرية لتعريب العلوم، وجمعية لسان العرب بمصر، والمنظمة العربية للترجمة في لبنان، وجمعيات الحفاظ على اللغة العربية في الإمارات (الشارقة) والجزائر، والمغرب..إلخ.

3- المرجع:

تَعْتَمِد المراجع أساساً على الكتب المؤلَّفة في العلوم الطبية، والدوريات (المجلات) الطبية المتخصصة. وفي هذا المجال، لا بد من الاطلاع على جهود المنظمات الدولية والعربية المهتمة بالتعريب، مثل: منظمة الصحة العالمية، مؤسسات صناعة الأدوية والمستلزمات الطبية وما لديها من ترجمات متخصصة، الاستعانة بالأدمغة العربية المهاجرة والاستفادة من خبرتها في هذا المجال، عن طريق جذبها بالحوافز المعنوية والمادية. التعرف على المراجع الطبية المترجمة إلى اللغة العربية. التعرف على الأطالس العربية التي أشرفت على إصدارها مراكز عربية متخصصة، مثل: المركز العربي للوثائق والمطبوعات الصحية بالكويت، والذي يصدر مجلة " تعريب الطب" التي تضم مقالات مختارة مترجمة إلى العربية وملخّصات الأبحاث العالمية المنشورة في المجلات الطبية العربية والدولية، وغيرها كثير، لا يتسع المقام لذكره، ثم إن الأستاذ يجب تأهيلُه ليكون قادراً على الاطّلاع على المراجع الدولية الأجنبية ونقل مضامينها باللغة العربية إلى طلابه، في صيغة محاضرات، أو مذكّرات أو كُتُب.

4- الأستاذ:

من خلال لقاءاتنا بأساتذة الطب، في المؤتمرات والندوات المتخصصة، وجدنا لدى معظمهم الاستعداد الكامل للتدريس باللغة العربية، ويمكن تأهيل هؤلاء الأساتذة عن طريق إقامة دورات تدريبية يشاركون فيها مع زملائهم الذين يُدَرِّسون باللغة العربية في بعض كليات الطب في سورية وغيرها من الكليات التي أشرنا إلى أنّ لها تجربةً في هذا المجال.

5- الطالب:

يعتبر الطالب أهمَّ عنصر مُستهدَف في هذه العملية، لأنه هو طبيب المستقبل، وهو الأستاذ الذي يُعَدُّ لأن يكون خير خَلَف لخير سلف، ومن ثم فلا بد –قبل وصوله إلى الجامعة- من إعداده إعداداً جيداً، يجعله متمكّنا من اللغة العربية ومن لغة أجنبية (الإنجليزية أو الفرنسية) تساعده على الاستفادة من المراجع الأجنبية. ونشدّد هنا على أهمية تعلّم اللغات الأجنبية، وفصل تعلّمها عن تدريس المواد بها. فشتّان ما بين الأمْرَيْْن.

وينبغي– بهذا الخصوص- تشكيل لجان متخصصة في كل قُطر عربي تعمل تحت مظلة إحدى مؤسسات العمل العربي المشترك، ونقترح – بصفة شخصية- أن ينطلق العمل من اللجان الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، تحت مظلة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، على أن تقوم هذه اللجان بالتنسيق مع الجهات المعنية والمهتمة في الوطن العربي، وفي مقدمتها الوزارات العربية المعنية واتحاد الأطباء العرب وعمداء كليات الطب وأساتذتها، وذلك من أجل بلورة هذه الإجراءات وتوفير الأموال والآليات اللازمة لتحقيقها. واعتماد مخطط تدريجي مدروس بعناية يجعلنا نصل إلى الهدف المنشود، وهو التعريب الشامل، دون إقصاء لأحد، ودون أن نمس بمصلحة أي مواطن، لأن الوطن يسع الجميع، على اختلاف ألسنتهم وأعراقهم، وأديانهم.

ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن فترة سنوات الخمسين من القرن الماضي (القرن العشرين)،كان الناس يُعَوِّلُونَ حينئذ على الزعامات القيادية القادرة على اتخاذ قرارات حاسمة، توصف بالتاريخية، وفي الوقت الراهن، عهد الديمقراطية وتعدد الأحزاب، يبدو أن الرّهان أصبح على الجماهير، وبصفة خاصة على الشرائح التي تؤدي دوراً محورياً في توجيه الرأي العام الذي يقوم بدوره بتوجيه صانعي القرار. وبتعبير آخر، إننا بحاجة إلى "صناعة" رأي ضاغط وموجِّه، لنصل إلى "صناعة" القرار. ولا شك أن اتخاذ قرار تعريب التعليم الجامعي في الوطن العربي – بما فيه العلوم الطبية- سيكون قراراً تاريخياً، بكل ما في الكلمة من معنى.

وفي مجال توجيه الرأي العام، فإن للإعلام دوراً لا يستهان به، لأن الإعلام –بأنواعه المختلفة- هو آية زماننا هذا، والتعبير ليس من عندنا، بل لأحمد شوقي، إذ يقول في الصحافة:

لكلّ زمان مضى آية

وآية هذا الزمان الصحف

لسان البلاد ونبض العباد

وكهف الحقوق وحرب الجنف.

ولا ندري لو شهِدَ شوقي ثورة الاتصال الحالية وتعدد الصحف الورقية والإلكترونية، ماذا عليه أن يقول!

ونختم هذا الموضوع بفقرة وردت في بحث للأستاذ/ أحمد شفيق الخطيب (دائرة المعاجم –مكتبة لبنان-بيروت)، نُشر في مجلة اللسان العربي، العدد 44 سنة 1997، وذلك عِبْرَةً لنا جميعاً.

يقول صاحب البحث: أوائل العشرينيات من هذا القرن (القرن العشرين) افتتحت الجمعية اليهودية الألمانية "معهد التخنكو" –التكنولوجية- في حَيْفَا، الذي أنشأته بأموالها وجهد خبرائها، وارتأت الجمعية جعل الألمانية لغة التدريس فيه، على اعتبار أن العبرية ليست متطورة بالقدر الذي يسمح باستعمالها في حقل العلوم والتكنولوجية، فقامت الدنيا بموجات الاحتجاج وإضراب المعلمين والتلاميذ، تلاها استقالة الكثيرين من العاملين في المدارس الألمانية، معتبرين ذلك إهانة قومية، فهدّدوا، بل وأنشأوا فعلاً، مدارس عبرية بدلا منها، فتراجعت الجمعية وتمّ للمعتزين بلغتهم الواهنة ما أرادوا"

فعلينا جميعاً أن نَعْتَبِر ونعتزّ بلغتنا، لغة القرآن الكريم، وحاشا أن تكون لغة الوحي لغة واهنة.

أ. إسلمو ولد سيدي أحمد

وحدة الدراسات المعجمية والمصطلحية

بمكتب تنسيق التعريب- بالرباط